في الوقت الذي تخرج فيه إشارات لإعلاميين ومعلقين خليجيين تنتقد الموقف المصري من الحرب الدائرة على إيران في ظل هجمات الأخيرة على القواعد والمصالح الأمريكية بالمنطقة، تتعرض القاهرة لانتقادات مماثلة داخل الإعلام الإسرائيلي.
وفي مقال نشرته صحيفة "معاريف"، شبه العقيد (احتياط) بالجيش أمير نوي الموقف المصري بصورة "أبو الهول الصامت"، قائلاً في هذا السياق: "قوة إقليمية عريقة تجلس على ضفاف النيل دون أن تحرك ساكنًا بينما المنطقة بأسرها تحت وطأة الصراع. إلا أن نظرة فاحصة تكشف أن وراء هذا الصمت العلني سياسة فعّالة لإدارة المخاطر القصوى".
إدانة واضحة لإيران
وأبرز نوي رد فعل (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي ووزارة الخارجية المصرية في الآونة الأخيرة، متمثلاً في إصدار بيانات رسمية تدين بشدة الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن، وصفتها بأنها "انتهاك لسيادة الدول العربية وتهديد مباشر للأمن القومي العربي".
وعلى الرغم من إشارته إلى أن الرسالة المصرية واضحة: "من وجهة نظر القاهرة، إيران عاملٌ مُزعزع للاستقرار"، لكن قال إنه "حتى عندما تُدين مصر تصرفات إيران، فإنها تحرص بشدة على عدم تصعيد الخطاب إلى مستوى المواجهة المباشرة".
اقتراح جديد - فكرة قديمة: قوة عسكرية عربية مشتركة
وفيما وصفها بأنها خطوة تُظهر عمق القلق المصري، دعا وزير الخارجية بدر عبد العاطي في التاسع من مارس إلى إحياء مبادرة إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة.
وعلق الضابط الاحتياطي الإسرائيلي، قائلاً: "قد تبدو الدعوة المصرية لإنشاء هذه القوة مثيرة، لكنها في الواقع فكرة قديمة تتكرر في كل أزمة إقليمية كبرى تقريبًا. فمنذ عهد جمال عبد الناصر، مرورًا بمبادرات مختلفة داخل جامعة الدول العربية، وصولًا إلى إعلان عبدالفتاح السيسي عام 2015، ترددت هذه التصريحات مرارًا وتكرارًا، لكن لم يتم إنشاء هذه القوة فعليًا".
وأضاف: "وقد حوّل التناقض بين الخطاب القومي العربي وانعدام الثقة والتنافس بين الدول العربية هذه المبادرة إلى أداة دبلوماسية وإعلانية أكثر منها خطة عسكرية حقيقية".
لكن هذا النداء ليس مجرد بيان دبلوماسي- كما يشير نوي- بل يعكس قلق القاهرة إزاء واقع إقليمي تقف فيه الدول العربية وحيدة في مواجهة مجموعة من الوكلاء الإيرانيين الذين ينشطون من اليمن والعراق وسوريا ولبنان. وهنا أيضًا، تحرص مصر على تقديم هذه الخطوة كجهد دفاعي لا كتحضير لمواجهة مباشرة.
تحذير من إسرائيل
وفيما يتعلق بإسرائيل، رأى أن مصر تتخذ موقفًا أكثر تعقيدًا، "فالقاهرة لا تزال تدين بشدة القضايا المتعلقة بالساحة الفلسطينية، مثل النشاط الاستيطاني والتحركات السياسية في الضفة الغربية. لكن عندما يتعلق الأمر بالحملة المباشرة بين إسرائيل وإيران ، تلتزم مصر بضبط النفس بشكل شبه كامل".
ولا يقتصر السبب في ذلك على الجانب السياسي فحسب، بل يمتد إلى الجانب الاستراتيجي أيضًا، كما يقول. فمصر ترى نفسها وسيطًا رئيسًا في المنطقة، سواء بين إسرائيل وحماس أو في قنوات أوسع بين الغرب وإيران.
وأشار إلى أن دور الوساطة يمنح القاهرة أهمية دولية، لا سيما في مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا. لذا، رأى أنه قد يؤدي أي هجوم كلامي حاد على إسرائيل إلى الإضرار بهذا الوضع. ويحافظ هذا الموقف لمصر على كرسي "الوساطة"، وهو دور شاركت فيه، مع افتقارها للموضوعية، كما يرى كثيرون، في فيلم "السيوف الحديدية"، في إشارة إلى التسمية الإسرائيلية للعدوان على غزة.
السبب الحقيقي: الاقتصاد المصري
وفسر عاملاً محوريًا واحدًا وراء كل هذه الاعتبارات السياسية، يكمن في الاقتصاد، فالحملة الإقليمية والتهديد الذي يواجه الممرات الملاحية في الخليج والبحر الأحمر يُلحقان ضررًا مباشرًا بحركة الشحن العالمية. وبالنسبة لمصر، يعني هذا ضررًا في عائدات قناة السويس، التي تُعدّ من أهم مصادر العملات الأجنبية للبلاد.
وتابع نوي: "وقد بدأ هذا الضرر يظهر جليًا، فارتفاع أسعار الطاقة والسلع، إلى جانب انخفاض حركة الشحن، قد خلق ضغطًا اقتصاديًا كبيرًا على النظام في القاهرة. بل إن الرئيس السيسي قد حذّر من العواقب الاقتصادية الوخيمة للتصعيد الإقليمي، ونبّه إلى موجة من ارتفاع الأسعار قد تُثقل كاهل الشعب المصري. ومن وجهة نظر القاهرة، فالمعادلة بسيطة: كلما اتسعت رقعة الحرب، ازداد الخطر على الاقتصاد المصري".
الدبلوماسية الهاتفية
لذا، قال إنه "وبدلاً من التصريحات العدائية، تنتهج مصر في الغالب دبلوماسية هادئة - مكالمات هاتفية، وقنوات سرية، ومحاولات لتهدئة الأوضاع. وتسعى جاهدةً، في الخفاء، للحفاظ على توازن دقيق بين المعسكرين المتنافسين، على أمل ألا تتفاقم العاصفة الإقليمية إلى حرب شاملة تُقوّض استقرارها".
https://www.maariv.co.il/news/opinions/article-1297339

